كيف نفّذت مهرجانات النيو سكول سطوها العظيم على قوائم الاستماع

كيف نفّذت مهرجانات النيو سكول سطوها العظيم على قوائم الاستماع
مشهد من فيديو أغنية محتل الملاعب لمغني المهرجانات حمو المرشدي.

هذا المقال متاح أيضًا باللغة الإنكليزية عبر هذا اللينك.


 

بعد نصف عام مليء بـ “أنا فايف ستار على كوكبي” و”الولا حمو جيه” وغيرها من هيتات حمو المرشدي، وبينما يحزم الجميع حقائبهم للعودة من موسم صيف ازدحم في شهريه الأخيرين بالإصدارات القوية، ترك المرشدي بصمته على الموسم بالوصول للمركز الرابع على قائمة بيلبورد عربية ١٠٠ فنان، ليصبح أول مؤدي مهرجانات يصل إلى تلك المرتبة، متفوقًا على نفسه بعد أن وصل من قبل للمركز السابع على نفس القائمة، ومحافظًا على وجوده ضمن العشرة الأوائل لمدة تتعدى الثلاثة أشهر، في إنجاز لم يصل له لا عصام صاصا ولا إسلام كابونجا من قبل. 

الظاهرة الأكثر إنفجارًا في المشهد الموسيقي العربي والمصري هذا العام لم تحظَ بالكثير من الاهتمام لأنها جاءت عبر صعود تدريجي هادئ. فقد ظل حمو مرشدي يتوغل في قوائم استماعات المنطقة منذ شهر مارس، وهو أول ظهور له على القوائم، ولم يكن حفاظه على وجوده ضمن العشرة الكبار مدعومًا فقط بهيت أو اثنين، حيث يملك حاليًا على قائمة بيلبورد عربية هوت ١٠٠ ثمانية أغاني، بالإضافة إلى عشرة في قائمة أعلى خمسين أغنية استماعًا في مصر على منصة سبوتيفاي.

قد يكون السببَ الأسهل لتفسير هذا الصعود القوي هو مهرجاني “أنا فايف ستار على كوكبي” و”الصدارة بيتي” الأعلى استماعًا ومشاهدةً في رصيده، لكن السبب الأقوى والأكثر لفتًا للنظر رغم أنه لا يأخذ حيزًا كافيًا من الاهتمام، هو أنه خلال ستة أشهر فقط، أصدر حمو مرشدي سبعة وعشرين مهرجانًا، بالإضافة إلى ألبوم حمو جيه المكون من تسعة مهرجانات، وألبوم كاسح الجدارة المكون من خمسة مهرجانات، وألبوم كينج كونج المكون من خمسة مهرجانات أيضًا. أي أنه في نصف عام واحد فقط أنتج ما يقارب ضعف الإنتاج السنوي لأي فنان من جنرا أخرى.

هذا ما دفعني لأخذ استراتيجية “الضخ” أو الإنتاج المكثف في مشهد مهرجانات النيو سكول بجدية أكبر، حيث أنها تعد واحدة من أكثر العوامل التي تمر دون تقدير كافٍ، وقد أسهمت في صعود الموجة الجديدة التي نقلت شعبية المهرجان خارج إطار الشوارع، ووصلت به إلى مستويات من الانتشار والحضور بات من الصعب تجاهلها، ليس في مصر وحدها بل عبر كامل المنطقة، ليصبح فنانيها قادرين على مزاحمة فناني الجنرا الأضخم، البوب، دون التعرض لاتهامات الدخول في جلبابه – اتهامات طاردت العديد من الأسماء من الجنرات الأخرى، خاصةً الهيب هوب المصري. 

الفيل في الغرفة 

تنطلق نظريتنا من الكروان عصام صاصا، أول من دخل قوائم الفنانين الأعلى استماعًا من مغني المهرجانات على منصة سبوتيفاي، سواءً على مستوى مصر أو الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقد احتل صاصا المركز الثاني للقائمة في ٢٠٢٥، والمركز الأول في ٢٠٢٤ و٢٠٢٣، والمركز الرابع في ٢٠٢٢ – على مستوى مصر. أما على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فكان في المركز السادس عام ٢٠٢٢، وتصدّر القائمة عام ٢٠٢٣ قبل أن يتراجع إلى المركز الرابع في ٢٠٢٥. كما احتل المركز الثامن في قائمة أكثر الفنانين العرب استماعًا لمنصة أنغامي في عام ٢٠٢٥ والمركز التاسع في عام ٢٠٢٤.

بالتزامن مع هذه الهيمنة غير المألوفة، أصدر صاحب “أنا مش غايب عشان أعود” و”محكمة ودخلنا على المفرمة” في ٢٠٢٥ واحدًا وعشرين مهرجانًا، وفي ٢٠٢٤ أربعةً وعشرين، وفي ٢٠٢٣ خمسةً وعشرين، وفي ٢٠٢٢ اثنين وثلاثين، وفي ٢٠٢١ تسعةً وعشرين، وفي ٢٠٢٠ أكثر من أربعين مهرجانًا. أي أنه قبل دخوله العشرة الأوائل في قوائم استماع سبوتيفاي، كان قد راكم في السنتين السابقتين أكثر من سبعين مهرجانًا، ثم أصدر في السنوات الأربع التالية، التي تصدّر فيها قائمة مصر وقائمة المنطقة، أكثر من مئة مهرجان. وهو ما يجعل إنتاجه في السنوات الخمس الأخيرة واحدًا من أضخم الإنتاجات الموسيقية عددًا في المنطقة، إن لم يكن الأضخم على الإطلاق. وفي هذا العام، حتى الآن، أصدر ١٤ مهرجانًا.

أما إسلام كابونجا، الذي احتل المركز الثالث في قائمة مصر على المنصة ذاتها في ٢٠٢٥ و٢٠٢٤، وكان مهرجانه “أنا مش ديلر يا حكومة” الأغنية الأكثر استماعًا في مصر عام ٢٠٢٥، فقد بلغ بعملية الإنتاج مستوى مغايرًا؛ إذ أصدر في ٢٠٢٣ فقط ثمانيةً وخمسين مهرجانًا، وفي ٢٠٢٤ تسعةً وأربعين، وفي ٢٠٢٥ سبعةً وثلاثين، وفي هذا العام وحده أصدر أكثر من ثلاثين مهرجانًا، بإجمالي إنتاج يتجاوز مئةً وخمسين مهرجانًا في أربع سنوات ونصف.

يجعلنا هذا نرى بوضوح أن اقتحام مؤدي النيو سكول للمشهد الموسيقي الإقليمي، واستمرارية عصام صاصا وكابونجا الراسخة على المستوى المحلي المتنوع الجنرات في مصر، لا يعود إلى هيتّاية (أغنية ضاربة) أو اثنتين أو ثلاث، بل إلى زخم ضخم من التراكم الرقمي وفرض الحضور.

ما بين منصات مصر ومنصات إيجبت

على هامش جائحة كورونا، مثّل عام ٢٠٢٠ ذروة صعود المحتوى الرقمي، ولا سيما موسيقى المهرجانات. فقد قاد الثلاثي عمر كمال وحسن شاكوش والمنتج والموزع الموسيقي إسلام ساسو هذه الموجة عبر مهرجانات غزلية عاطفية كـ”بنت الجيران” و”عود البنات عالي” و”بونبوني ساقط في نوتيلا” و”عود البطل ملفوف” التي تجاوزت المليار وربع المليار مشاهدة على يوتيوب وحده. يُضاف إلى ذلك ثنائية حمو بيكا وشاكوش التي ضمّت فنانين مهرجانات آخرين كأبو ليلة وحودة بندق وفيجو الدخلاوي وعلي قدورة ونور التوت وغيرهم، وكان أشهرها مهرجان “وداع يا دنيا وداع”، و”شمس المجرة” وثنائية حمو بيكا وعمر كمال في مهرجان “إنتي معلمة” وغيره.

سلّطت تلك المهرجانات الضوء على أسماء كثيرة في مشهد المهرجانات مثل مصطفى الجن وهادي الصغير (ثنائي الإبداع) وسامر المدني وحمو الطيخا، ومن بعدهم كريم كريستيانو وأمين خطاب وغيرهم؛ وهي أسماء تحقق أرقام مشاهدات ضخمة على يوتيوب مقارنةً بأرقام الاستماع على منصات أخرى، حتى يوتيوب ميوزيك نفسها.

يعود ذلك إلى أن شريحة ضخمة من المستمعين الأوفياء لموسيقى المهرجانات لا تزال تعتمد على تحميل المهرجانات على فلاشات من يوتيوب، أو الاستماع إليها عبر تشغيل الفيديو مباشرةً. فالعاملين في المحال التجارية المختلفة بائعين وتجارًا، وسائقي سيارات النقل والتريلات والميكروباصات والتكاتك وغيرها من وسائل المواصلات، وحتى أفراد الطبقتين المتوسطة والمتوسطة الدنيا ممن لا يستطيعون تحمّل تكلفة اشتراكات منصات بث الموسيقى ضمن فاتورتهم الشهرية، يعدّون يوتيوب مصدرهم الأول للاستماع إلى الموسيقى.

في عام ٢٠٢٠ مثلًا، دخل ستة عشر مهرجانًا قوائم أعلى خمسين أغنية بثًّا على يوتيوب في مصر، أبرزها مهرجان “هنعمل لغبطيطا” و”بنت الجيران” لعمر كمال وحسن شاكوش، و”شمس المجرة” لحمو بيكا وحسن شاكوش وعمر كمال، و”هلا والله” لحمو بيكا وفيلو وأبو ليلة. وفي العام التالي دخل سبعة عشر مهرجانًا، من بينها “حبيبتي” لحسن شاكوش وياسمين رئيس، و”خطر” لحودة بندق ومسلم. ثم شهد عام ٢٠٢٢ انخفاضًا وصل إلى اثني عشر مهرجانًا، وثلاثة عشر في ٢٠٢٣ قبل أن يعود العدد للارتفاع إلى سبعة عشر مهرجانًا في ٢٠٢٤، لا سيما مع دخول نجوم الأغنية الشعبية مسار المهرجانات، سواء محمود الليثي بـ “عم المجال كله” أو رضا البحراوي بمهرجان “عالدغري.”

في العام الماضي، بلغت حصيلة المهرجانات في قوائم الأكثر استماعًا على يوتيوب في مصر تسع أغانٍ، في عامٍ اعتُبر كثيف الإصدارات على مستوى البوب والإندي، بحضور نجوم كعمرو دياب وفضل شاكر وأحمد سعد وتوليت وهيفاء وهبي وسانت ليفانت وديستانكت وغيرهم.

تمكّن فنانو المهرجانات خلال السنوات الخمس الماضية من ملء قوائم المستمعين بإصدارات موسيقية متتابعة، وهو ما يتضح من خلال عيّنة منتقاة من أبرز الأسماء. يتصدرها ثنائي الإبداع “مصطفى الجن وهادي الصغير”، الذي بلغ إنتاجها سويًا العام الماضي فقط ما يتعدى ال ٥٥ مهرجان، يليهم حمو بيكا الذي وصل في فترات تألقه لأكثر من ٣٥مهرجانًا في العام، بينما تراوح إنتاج أسماء مثل كريم كريستيانو وأمين خطاب وحمو الطيخا وسامر المدني وأحمد موزة السلطان بين الخمسة عشر والعشرين إصدارًا، وفي أدنى الحالات عشرة إصدارات سنوية فما فوق. وهي نسب إنتاج تعد الأعلى بين فناني المشهد الموسيقي في مختلف الجنرات.

استراتيجية تسويقية أم جزء من الثقافة؟

في فجر السادس عشر من مايو بتوقيت القاهرة، أصدر دريك بشكل مفاجئ وبعد انتظار طويل، ثلاثة ألبومات دفعةً واحدة بإجمالي ثلاثة وأربعين أغنية. هذا الضخ المفاجئ لهذا الكم من الإنتاج الموسيقي جعله يكسر أرقامًا قياسية كثيرة هذا العام، إذ أصبح الفنان الأكثر استماعًا في يوم واحد على منصات عدة، أبرزها سبوتيفاي، فيما أصبح ألبوم “Ice Man” الألبوم الأكثر استماعًا في يومه الأول، وتراك “Make Them Cry” الأغنية الأكثر استماعًا في يوم واحد. غير أن الأزمة لم تكن في تلك الأرقام وحدها، إذ أربك الرابر الكندي الشبكة حرفيًا بعد أن تعطلت منصتا سبوتيفاي وآبل ميوزيك مؤقتًا جراء الضغط الهائل من المستمعين المتدفقين للاستماع إلى الألبومات الجديدة.

وبعد مرور أسبوع، حطم دريك العديد من الأرقام القياسية على قوائم بيلبورد، مثل إزاحته لمايكل جاكسون كأكثر مغني ذكر لديه أغاني تصدرت قائمة هوت ١٠٠، وأول مغني لديه ٤٠٠ أغنية تدخل هذه القائمة، وأول مغني تحتل ألبومات له الثلاث مراكز الأولى في قائمة بيلبورد ٢٠٠ في نفس الأسبوع.

رأى العديد من النقاد الموسيقيين والمعلقين أن إستراتيجية الضخ التي كسر بها دريك الإنترنت هي الأسلوب الأمثل للعودة بعد انتكاسة ما بعد البيف، خطوة استطاع بها أن يجعل جمهوره الضخم حول العالم يتخطى تلك الانتكاسة وكأنها لم تكن.

تطبيق مثل هذه الاستراتيجيات على نطاق عالمي واسع يدفعنا للتفكير بأن مهرجانات النيو سكول كانت جاهزة لتكسير الإنترنت قبل أن يصبح تكسير الإنترنت مصطلح لا يتعلق بهيتاية عابرة، بل مشروع كامل أو نمط إنتاجي.

الملفت في المهرجانات أنّ غزارة الإنتاج كاستراتيجية لا تعود إلى دوافع تسويقية بحتة، بل تمتلك بعد يتصل بثقافة الغناء الشعبي والعمل لدى الطبقات التي ينحدر منها المهرجان. فالمهرجان، ولا سيما موجته الجديدة، هو امتداد تقني مباشر للغناء الشعبي، وخاصة الغناء الحي؛ تطوّر في ظروف عشوائية، ونتيجة تراكمات تقنية واجتماعية وسياقات ربحية وغير ربحية، ليبلغ الشكل الذي هو عليه الآن. وأزمات المهرجان المتكررة مع السمبلة وسرقة الألحان الموسيقية واقتباسها دون إذن مسبق، هي في أصلها امتداد مستمد من طقوس المغني الشعبي في الأفراح الشعبية، إذ يرتجل كبار المغنين الشعبيين منذ عقود ألحان الكلاسيكيات وألحان أغانيهم المعاصرة، آخرها أغنية “بابا” لعمرو دياب، التي قُدّمت بتوزيعات وصيغ متنوعة منذ صدورها.

غزارة الإنتاج وتشابهه مع تغيير مقاطع مع كل أداء هو أيضًا تقليد شعبي صرف. عندما كنت أعمل على السيرة الذاتية لرضا البحراوي بوصفه أحد أبرز أساطير الغناء الشعبي الشابة، والذي بدأت شهرته من محطات الميكروباصات ومحافظات الدلتا الريفية، اكتشفت أن معظم أغانيه الشهيرة الصادرة على قناته الرسمية في يوتيوب مسجّلة تسجيلًا حيًا، والكثير منها مكرر تحت أسماء مختلفة وبنسخ متفاوتة تتغير فيها الكلمات وتُضاف توزيعات وطبقات موسيقية جديدة.

لكن في نفس الوقت تتضمن أغلب المهرجانات الجديدة تحيةً لمسؤولي وسائل التواصل الاجتماعي المشرفين على صفحات الفنان ومنصات البث، وثمة وعي واضح بتقنيات انتشار المحتوى على الإنترنت. فالمهرجان يجد طريقه إلى جميع المنصات، من الاستماع المباشر في مقاطع تيك توك اليومية لدى المستهلكين العاديين، إلى مقاطع كرة القدم والتعليق الاجتماعي والسياسي وحتى مقاطع الفخر الوطني، وفي الشارع لا يغيب عن الأفراح ووسائل المواصلات العامة وقوائم الاستماع. 

ما فعله المهرجان هو أنه أخرج كل ذلك إلى السطح في قالب أكثر احترافية، بعناوين مختلفة وإصدارات متمايزة، مع الحفاظ على الغناء والأداء بوصفهما وظيفة. وهذا مفهوم تحديدًا في ظل انخفاض العوائد التي تمنحها منصات البث والعرض المختلفة مقابل المشاهدات، حيث يستلزم الحصول على مقابل مادٍّ مُرضٍ كثافةً في الإنتاج، فيما يحافظ في الوقت ذاته على حضور فناني المهرجانات دائمًا في حرارة الشارع مع كل إصدار.

في الوقت الذي يستمر به نجوم البوب في مصر وخارجها بمحاولة سحر وأسر الإنترنت بإصدارات قليلة محسوبة سنويًا، يفضل مغني المهرجانات كسب السباق عبر دغدغة الإنترنت بدلًا من سحره. نجحت هذه الاستراتيجية عبر السنوات القليلة الماضية بخلق مساحة مميزة للمهرجانات، تزاحم مساحات كبار نجوم البوب بمنظومتهم الإنتاجية المدججة بشركات العلاقات العامة والتوزيع والإنتاج المنظم، كما نجحت، وهو الأهم، بفرض نوع من العدالة الإبداعية في وجه التهميش والتعتيم وعدم الاكتراث الذي لا يزال يواجهه الجنرا بعد أكثر من عقدين من تشكيل الموسيقى العربية المعاصرة.

** تم الإستعانة بإحصاءات قناة Top Sounds المتخصصة في هذه النوعية من الإحصاءات.

SHARE ON:

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp

MORE NEWS

THE LATEST

THE DIGITAL DAILY NEWSLETTER

A Cultural Force That
Transcends Generations

BY PROVIDING YOUR INFORMATION, YOU AGREE TO OUR TERMS OF USE AND OUR PRIVACY POLICY. WE USE VENDORS THAT MAY ALSO PROCESS YOUR INFORMATION TO HELP PROVIDE OUR SERVICES.
Stay In Touch

Be the first to know about the latest news from Rolling Stone MENA