توليت بيلعبها سماعي

توليت بيلعبها سماعي (فندق الكارلتون، القاهرة، تصوير حسين مارديني)
نسخة الجاز من ألبوم نارين لتوليت متاحة على كافة المنصات (تصوير حسين مارديني)

This feature is also available in English.


بار الجاز

للوصول إلى فندق الكارلتون نصف المختبئ في قلب حي العتبة القاهري الخشن، عليكم المرور بجوار واجهات سلسلة مطاعم وجبات سريعة، بعضها مصري وبعضها سوري، بأسعار منخفضة لدرجة مقلقة – يتباهى أحدها بتقديم سندويتشات تبدأ أسعارها من ٨ جنيه. بعد ذلك، عليكم الانعطاف ودخول شارع جانبي موحل، بالكاد يتسع عرضه لمرور سيارة واحدة، والبحث عن الواجهة الباهتة للفندق على الجانب الأيمن من الزقاق.

بينما بدا اسم الفندق مألوفًا، لم تستيقظ ذكرياتي حتى دخلت بهوه الضيق عندما اجتاحتني ذكريات عن البار الواقع في الطابق الثامن والذي كنت أرتاده أيام الجامعة. في ذلك الوقت، كان يعد بار طبقة وسطى ويجذب جمهورًا يساريًا أغرته الأسعار الرخيصة للبيرة، والإطلالة المباشرة وغير المتوقعة على دار القضاء العالي في الجهة المقابلة من الشارع، التي بدت كخلفية مثالية لمحادثات نصف المخمورة عن الأخبار المحلية والإقليمية.

عندما خرجت من المصعد المتداعي في الطابق الثامن، استقبلتني خليّة من أكثر من أربعين أفراد طاقم تصوير يطوفون الطابق كخلية نحل فلتانة، متدفقين عبر ممرات متعرجة بين صناديق معدات الصوت والتصوير التي افترشت كل سطح بإمكانكم رؤيته. اتسمت حركة الطاقم بالهدف: حملوا في رؤوسهم تصورًا لبار جاز ولم يتوقفوا عن العبث بفرش وديكور بار الكارلتون حتى أصبح مطابقًا لذلك التصور.

ينقسم البار الواقع على سطح المبنى إلى مساحتين. مساحة داخلية تمتد كحرف إل بالإنكليزية، تقع في بطنها منصة مرتفعة بخجل حيث كان أفراد الطاقم يبدّلون ورق الجدران ويلصقون صورًا جديدة في الإطارات المعلقة في الأرجاء. ومساحة خارجية ممتدة كحرف إل أيضًا – تمتاز بإطلالة بانورامية على مركز القاهرة وتنتهي ببار وركن شواء مفتوحين على الهواء الطلق.

كنت أدخّن سيجارة عند مدخل التيراس – نصفي في الداخل لأحتمي من الرذاذ غير الموسمي الخفيف الذي كان ينهمر على القاهرة، ونصفي في الخارج لنفخ الدخان – عندما جذب أحدهم يدي التي تحمل السيجارة بسرعة ودفعني لإفساح الطريق لشخصين عبرا بجواري إلى الخارج. ارتدى الشخص الأوّل قميص نصف كم أبيض ضيّق – هو حسين مارديني، المخرج والمصوّر الذي كان يدير جلسة الإنتاج ويشرف على جلستي تصوير، إحداهما لصالح رولينج ستون مينا. تبعه شاب ضخم يرتدي بدلة ثمانيناتية واسعة وقناع صوف بلون الحليب.

اتجه مارديني والشاب إلى الزاوية البعيدة في التيراس، منحنيين بعض الشيء تحت الرذاذ ونسمات الهواء الشتوية، تفقدا زاوية معدّة للتصوير، ثم جريا مجددًا إلى الداخل نزولًا إلى الطابق السادس حيث كانا يستكملان جلسة تصوير.

أطفأت قطرة مطر سيجارتي واتجهت للداخل بحثًا عن نورا، المديرة الفنية لـ توليت، التي دعتني لحضور هذا التسجيل لنسخة جاز من ألبومه الأخير نارين، في الأيام السابقة لانطلاق جولة الألبوم العالمية. وعدتني نورا أيضًا بمقابلة مع الفنان المراوغ – لكنها لم تتمكن من تأكيد ذلك حتى اللحظة الأخيرة.

انتابني الفضول إزاء كيف يمكن أن تبدو نسخة جاز من نارين. احتوى الألبوم على أغنية جاز بالفعل، “غريب حالي” الميّالة نحو الإيقاعات اللاتينية. مالت بعض الأغاني الأخرى نحو الفلامينكو والتوزيع القائم على الجيتار، مثل الأغنيتين الضاربتين من الألبوم “حسيني” و”نارين.”

في المقابل، بدّلت أغانٍ أخرى مثل “حبيبي ده” الجيتارات الهوائية بسينثات لامعة وأثيرية، بينما اعتمدت “إنتي كرايزي” المرحة على الإيقاعات والطبول بشكلٍ أكبر. بدورها، وسّعت “ضروري” – الجاهزة لحلبات الرقص – مغامرة توليت في أراضي الدبكة.

توليت بيلعبها سماعي (فندق الكارلتون، القاهرة، تصوير حسين مارديني)
توليت في فندق الكارلتون في القاهرة (تصوير حسين مارديني)

كانت الأمور حولي تتحرك بحسٍّ من عشوائية القاهرة. كل شيء كان متأخرًا بضعة ساعات. كل حينٍ وآخر، كان يصعد أحد أفراد الطاقم على صندوق معدات ويصرخ بالجميع بأعلى صوته، طالبًا إفساح الطريق في زاوية معينة للسماح لشابين يحملان صندوق عدّة ثقيل بالمرور. من جهتهم، كان موظفو الفندق قلقين من إصدار ضجّة قد تجذب انتباه حرس المحكمة في الأسفل. في الأثناء، كان المطر المتقطّع كافيًا للتسبب بأزمة مرور لعبت فيها السيارات جوقة من أصوات الزمامير استمرت بضبط إيقاع اليوم حتّى صعود الفرقة على المنصة.

ارتدى أعضاء فرقة الجاز ذات الخمسة أعضاء بدلات ثمانيناتية واسعة مشابهة. بينما اعتلوا المنصة في البداية بوجوههم المكشوفة، سرعان ما ارتدى جميعهم نسخهم الخاصة من قناع الصوف الأيقوني. كان لدى عازف الساكسوفون خصل شعر مضفرة (دريدلوكس)، ولتفادي تكوم شعره في خلفية القناع وكأنّه يرتدي حجابًا، تم قص فتحة في ظهر قناعه سمحت لشعره بالانسياب للخارج. اتخذ أعضاء الفرقة مواقعهم على المنصة المزدحمة، مشكلين هلالًا ببقعة فارغة في بطنه، محجوزة لـ توليت ومعلّمة بمايكروفون وحيد.

كان من المفترض أن تبدأ جلسة التسجيل الساعة الخامسة والنصف، لكن بحلول السابعة والنصف كان أفراد الطاقم تبدو عليهم نفس الدرجة من الانهماك التي بدت عليهم عند وصولي قبل ساعات، كما بقي البار مزدحمًا بنفس الكمية من صناديق المعدات. مرّت نورا بجوار طاولتي وأومأت لي أن أتبعها. مشيت ما لا يزيد عن ثمانِ خطواتٍ خلفها قبل أن نصل إلى ستارة سوداء تفصل آخر طاولة في البار عن بقيّته.

تبعت نورا خلال الستارة بينما كانت عيناي لا تزالان تتأقلمان على الإضاءة الخافتة والهواء المثقل بالدخان، عندما تعثرت بحامل كاميرا مركون جانبًا وكدت أن أسقط بوجهي على حضن شاب يجلس في الزاوية، قفز من مكانه بخفّة وقدّم لي ذراعه لأستند عليها. أمسكت بذراعه وسمعت صوته العميق الدافئ يفكّك إحراج الموقف: “متقلقش، كنت هأوقع نفس الوقعة من عشر دقايق.”

نظرت للأعلى لأشكر منقذي الغامض واستقبلتني ملامح وسيمة تليق بنجم سينما، ابتسامته تمتد ما بين أذنيه.

لم أدرك أنني سأقابل توليت بدون القناع.

رجل الجاز

يعد توليت شخصية خجولة إعلاميًا، نقطة أخرى تعزّز المقارنات بينه وبين عمرو دياب. كان قد استعد للمقابلة بقدر استعدادي لها، وبدت عليه نفس الدرجة من التوتر. على مدى محادثة امتدت لأربعين دقيقة، استمدّ في حديثه من بنكٍ من المجازات الدقيقة والتشابيه المنتقاة والآراء المصقولة. اتسم حديثه بالانضباط لكن ليس بالحذر، بالدبلوماسية لكن ليس لدرجة الغموض. كان مدركًا لكونه فنانًا يحمل روح الأندرجراوند ويتمتع بنجاح الماينستريم، وحافظ على قدمٍ راسخة في كلٍ من العالمين.

انطلاقته للشهرة خلال السنوات الثلاث الماضية كانت من الأسرع في تاريخ البوب العربي، وهو مدرك لذلك. بإمكانكم ملاحظته وهو يحاول تفكيك أسباب نجاحه وتحديد النقاط التي تجعل موسيقاه بارزة ومميزة وسط محيطٍ من الإصدارات التي تبدو مشابهة عند النظرة الأولى. بعد الكتير من التأمّل، توصل توليت إلى بضعة قواعد ذهبية لا يلتزم بها في مسيرته فحسب، بل يشعر بالحماس لمشاركتها مع جيلٍ جديد مع الموسيقيين الصاعدين.

بدأت رحلته الحديثة في صناعة الموسيقى من الإنتاج، عندما تولى إرشاده موسيقي أخرى يشكّل قوّة ضاربة في الموسيقى المصرية المعاصرة، ليجيسي. في نهاية العام الماضي، فرض الاثنان سيطرة غير مألوفة على قوائم سبوتيفاي للموسيقى الأكثر سماعًا في مصر، حيث تشاركا ثمانية أغانٍ ضمن الأغاني العشرة الأكثر سماعًا في البلاد لقرابة شهرين متواصلين.

بفضل تعلّم الإنتاج مبكرّا، اكتسب توليت نظرة متكاملة على صناعة الموسيقى من البداية، وسرعان ما أصبح مهووسًا بهندسة الموسيقى، من بنية الأغاني حتى التوزيع.

مقارنةً بمنهجه الانغماسي والمنهمك، لاحظ توليت مدى ارتياح العديد من الموسيقيين المعاصرين مع تصدير جوانب كبيرة من العملية الإبداعية لأشخاص آخرين، من كتابة الأغاني إلى التأليف. بالنسبة له، هذا يحرم الفنانين من زرع أجزاء من نفسهم في العمل، ويعتقد أن الموسيقيين الصاعدين عليهم أن يكونوا دائمًا ضليعين، دائمًا “في الأوضة، إنت مش عايز تكون سلبي.”

المشكلة بالنسبة لـ توليت ليست التعاون، إنما التخلي عن السيطرة. بعد إنتاجه ألبوميه الأولين بنفسه، وافق على التعاون مع منتج آخر، معتز ماضي، للمرة الأولى في ألبومه الثالث نارين.

“مع معتز كان في ليرنينج كرف (مرحلة تعلم)” قال لي. “عملنا كتير أفكار ورميناها – ما وصلوش للألبوم. بس كل مرة اشتغلنا فيها مع بعض، كل مرة وثقت فيها بذوقه، كنت عارف إنه لو اختار صوت أو توجه صوتي معين، على الأغلب هأحبّه. هو شاطر كتير بإنتاج حاجات قريبة من رؤيتي.”

عمليته التعاونية مبنية على صراحة إبداعية ورفض راديكالي للمساومة. يؤكد على ضرورة عدم الموافقة على أفكار لا تتفق كليًا مع نواة المشروع: “لو حابب حاجة، قول إنك حاببها. لو مش حابب حاجة، قول كدة برضه. ولو مش متأكد شعورك إيه، خود وقتك – اسمعها يومين ثلاثة. بس ديمًا كون صريح بمشاعرك.”

توليت بيلعبها سماعي (فندق الكارلتون، القاهرة، تصوير حسين مارديني)
توليت في فندق الكارلتون في القاهرة (تصوير حسين مارديني)

بالإضافة إلى نارين، أنتجت شراكة توليت مع معتز ماضي أيضًا أغنية الصيف المتأخر الضاربة “الحب جاني.” استعادت الأغنية صوتًا ارتبط بالموسيقى التي كنا نسمعها على الراديو في مطلع الألفينات، بإيقاعها المبرمج الذي يكاد يكون مبتذلًا وتوزيعها المصري المبهرج – ما أثار انتقادات متجددة حول اتكال توليت على النوستالجيا بشكلٍ زائد.

لكنه لا يرى الأمور على هذا النحو. لا تتعلق استعاداته المتكررة للبوب العربي الكلاسيكي – سواءً حقبة الفلامنكو لدى عمرو دياب أو الشاعرية الخفيفة لبوب مطلع الألفينات – بالنوستالجيا. يعتقد توليت أن البوب عالق اليوم، وتدفعه غريزته للعودة إلى آخر حقبة كان البوب فيها لا يزال حيًا، قبل أن يرسم له مستقبلًا جديدًا مختلفًا عن الطريق التي أخذها خلال العقد الأخير.

“في التسعينات وأول الألفينات، الإنتاج الموسيقي كان تحفة الصراحة” أخبرني. “لو بتسمع الإنتاج النهارده، هو غريب قوي بالنسبالي.” يشير إلى منتجين مثل طارق مدكور كشخصيات مرجعية: “كانوا بيعملوا حاجات فشيخة. هو واحد من أجمد المنتجين في المجال.”

وإلى مدىً ما، معه حق. لا يزال بوب أول الألفينات يهيمن حتى اليوم على قوائم الموسيقى ووصلات الدي جاي وحفلات الأعراس، وبفضل تيكتوك، لا يزال يهيمن على قوائم بيلبورد أيضًا. لكن ما يحفّز توليت ليس رغبة باستعادة نجاح تلك الحقبة، إنما بحثه عن شيء أكثر مراوغة من النجاح: عن الإحساس.

“لو سمعت أغنية وحسستني بحاجة” أخبرني، “أنا عايز ألحق الشعور ده.”

شكّلت هذه العقلية أغنية “الحب جاني.” خلال إجازة إبداعية مع معتز ماضي في الساحل الشمالي خلال الصيف الأخير، أخبره توليت بإنه “عايز يرقص شوية.” بدأ معتز ببناء البيت من عناصر أحبها كلاهما. “فهو حط الدربوكة، وحط الكلابس” يخبرني ضاحكًا، “وروحت أنا داخل بالـ حب جاني، جاااا – على طول!”

بعد أن سجّل ألبومه الأول، طيش شباب، في حجرة نومه، أصبح توليت واعيًا بضرورة الحفاظ على شخصية التسجيل وسط التطور المستمر لتقنيات الاستوديو النظيفة، ويرسم اليوم خطًا واضحًا بين ما هو ممكن تقنيًا وحيّ جماليًا.

“لما المزيكا تكون مصقولة زيادة، بتبقى ميتة،” يقول. “المزيكا بحاجة حياة. بحاجة شخصية. بالنسبالي الأتيتود (الشخصية) مهم أكثر من المثالية.”

خلال سائر المقابلة، حلّل المطرب اليافع كل جانب ممكن من صنعته، لكن فكرة واحدة استمرت بالتكرار عبر حديثه، عبارة ظلّ يعود إليها بشكلٍ شبه مهووس: “بلعبها سماعي.” رغم بساطته الظاهرية، يحمل مصطلح “سماعي” تاريخًا طويلًا ملغومًا ومحملًا بالتوتر بين التوجهات الشرقية والغربية في التعامل مع الموسيقى.

بينما مال التقليد الموسيقي الغربي غالبًا نحو التقنين والتنظيم وتدوين النوطات وفق أنظمة شبه أكاديمية – ما خلّف لنا ميمز عن كون النظرية الموسيقية بصعوبة الفيزياء الكمومية – كان التوجه الشرقي للموسيقى قائمًا على الحدس، الذاكرة والإحساس.

ورغم محاولات تاريخية لتنظيم وتقنين الموسيقى العربية، أشهرها مؤتمر الموسيقى العربية لعام ١٩٣٢ الذي لا تزال الانتقادات تلاحقه حتى اليوم، إلا أن أجزاءً كبيرة من موسيقانا قاومت هذه المحاولات أو نجت منها كليًا، وتبقى حتى اليوم متداولةً عبر السماع والتقليد – أو ما نسمّيه بالعربيّة بالـ سماعي.

“بالنسبالي، لما يتعلق الموضوع بالمزيكا، أنا تعلمت كل حاجة سماعي. مبقراش نوطات. ما بتكلمش بالنظرية الموسيقية. المزيكا بتيجي بالأول، وبعديها النظرية.” يرى توليت هذا التوجه أكثر قدرة على إنتاج أصوات عضوية وخصبة من تأليف النوطات. “الموضوع بيتعلق بالسماع، الملاحظة وإني أشوف إزاي الناس التانية بتلعب. أنا عايز أعمل حاجة نايتف (أصيلة).”

في هذا السياق، يبدو الجاز قالبًا مثاليًا لموسيقي يحب التلوين خارج الخطوط الصارمة. جمّع توليت لهذا المشروع فرقة من محنّكي الجاز، جذبته إليهم كماليّة موسيقيةّ احترمها لزمنٍ طويل: “كل آلة عندها حاجة تقولها. كل موسيقي، خلال آلته، عنده حاجة يقولها.”

خلال البروفات، سجّل توليت أغنية أصلية جديدة مع الفرقة – كان يستعد لأدائها علنًا للمرة الأولى: “عملت أربع بارات أغني فيها،” قال لي، “وبعدها كنت عايز المزيكا تبقى سامبا، وإديتهم مساحة لعب ليرتجلوا.”

عندما مهّدت لآخر أسئلتي بعبارة “هذا سؤالي الأخير،” اعتلت نظرة ارتياح واضحة على وجهه. أطفأ سيجارته الثالثة في ذات اللحظة التي دخلت فيها نورا الكواليس المرتجلة، بعد أن غادرتها وتركت المكان لنا في بداية المقابلة، وأخبرته أنّه حان وقت البروفات.

الجاز

ارتدى الشاب قناعه مجدّدًا، عدّل وضعيته ليصبح مريحًا، ومرّ عبر الستارة قاطعًا عشر خطوات نحو المنصة التي كانت بانتظاره. لاحظ لمعة مثيرة للشبهة على العمود المجاور له. ابتعد عنها بسرعة وسأل من حوله: “هو البتاع ده فيه دهان أو حاجة؟”

فجأةّ، خيّم مزاج بار جاز على سطح الكارلتون. كان الهواء مثقلًا بالدخان، وتحدث جمهور من حوالي الأربعين شخصًا بهدوء، متوزعين حول مجموعة طاولات تحيط بالمنصة أو جالسين في المناطق الخارجة عن إطار الكاميرا. توليت يلعب الموسيقى سماعيًا، ويتحرك بقدرٍ مساوٍ من الارتجال، يتأرجح ويدور غير مكترثٍ بالحركة حوله – كل فترة يقوم أحد أفراد الطاقم بحمل صندوق معدات إلى التيراس الذي أصبح بحلول ذلك الوقت لزجًا وزلقًا بفعل ساعات من رذاذ المطر.

كل حينٍ وآخر، كانت البروفات تنقطع بسبب مشاكل تقنية صغيرة. في مرحلةٍ ما، احتج عازف الطبول على أن صوت الكليك عالٍ للغاية. بعد لحظات وبعض التعديلات، أصبح يحتج أن صوت الكليك اختفى كليًا. ما بين البروفات، كان الموسيقيون يقفون لتعديل أقنعتهم حول فتحات الأعين والأفواه، كل استراحة قصيرة لكن لا غنى عنها.

تبدأ أغانٍ مثل “نارين” بمقدمات آلاتية مرتعشة وحيوية، قبل أن ينسلّ توليت إلى داخل الأغنية كلص يتسلل إلى منزل، بغنائه المباغت الذي يأخذ مستمعيه على غفلة. يرفع ويخفض طبقات صوته بحسٍ لعوب وكأنه قطّة تلهو على سلّم. في بعض الأحيان، ينجرف غنائه بعض الشيء بعيدًا عن الفرقة، ويتبع كلّ منهما ترجمة منفصلة للأغنية، لا تجمعهم خطّة مدروسة بل شعور مشترك.

تجمعه بالجاز علاقة تتراوح بين اللعب والوقار. أحيانًا يرسم أداؤه ملامح من نيو يورك، أو حتى لاس فيجاس، على جدران الكارلتون – ملوحًا بيديه وكأنه يقود عجلة يدوية خفيّة. أحيانًا أخرى، يبدو كفنان جين زي يلعب مع الجاز بعد أن تعرف عليه على تيكتوك. يقود الفرقة كمايسترو نصف مخمور، كتيّار بحري خفي لكن يجرف كل ما بطريقه، يمر بجوار أسطر الساكس الغليظة والبطيئة أحيانًا ويتصارع معها أحيانًا أخرى.

عند انتهاء البروفات، أسرع توليت مغادرًا المنصة مع المصور ومخرج الجلسة، مارديني، حيث اتجه كلاهما إلى الأسفل لاستكمال آخر جلسة تصوير بمحاذاة نافذة في الفندق تطل على جانب سينما ريفولي الأيقونيّة على الجانب الآخر من الشارع.

توليت بيلعبها سماعي (فندق الكارلتون، القاهرة، تصوير حسين مارديني)
توليت في فندق الكارلتون في القاهرة (تصوير حسين مارديني)

في الطابق الثامن، استمرت التحضيرات حتى وقتٍ متأخرٍ في المساء. حوالي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وبعد سلسلة لامتناهية من الـ “يللا بينا!” وعددٍ من الرجال المتعرقين يصرخون بتعليمات من أعلى صناديق العدّة – أصبحت المساحة مهيئًة أخيرًا للتسجيل. جلست إلى جوار مارديني في النهاية البعيدة من البار، تقف أمامنا كسواتر دفاعية ثلاث شاشات محمولة تبث بشكلٍ حي من ثلاث كاميرات موزعة في أرجاء البار.

“آكشن!” هتف مارديني.

ظهر توليت على إحدى الشاشات، يدخل البار بخطوات خفيفة، يعتلي المنصة، ينتزع المايكروفون من حامله كأنه يستعيد حقًا مسلوبًا منه، ويقدّم الجلسة إلى جمهورٍ صغير جلس على الطاولات الأماميّة.

تفتتح الجلسة بأغنية “نارين،” حيث تتأرجح الفرقة في مقدمة آلاتية قبل دخول صوت توليت كأمواج تتكسر على شاطئ، تظهر وتختفي مقاطعه الهامسة بين أسطر الساكس كقمر يظهر ويختفي بين السحاب، قبل أن يسلّم الأغنية مجددًا للفرقة لسلسلة من السولوهات، يظللها بحركات راقصة حادّة وصرخة “وووه!” هائجة كل فترة وأخرى.

في “حبيبي ده،” ترتاح أسطر الأبواق فوق سريرٍ من الإيقاعات الدقيقة. مقارنةً بالأغنية الأصلية، تبدو الفرقة وكأنها تلوّن حصريًا خارج الحدود، وتبحث عن إعادة تأويل بدلًا من إعادة توزيع للأغنية. وحده صوت توليت يعيد الأغنية إلى منطقة مألوفة، وينزلق بين الآلات كلوح زبدة يذوب على مقلاة جاز حارّة. بدلًا من أن يصرخ “إنتي مش حاسة بيّا ولا إيه؟” يهمسها. يتوسل بدلًا من يأمر. يغازل بدلًا من أن يغمر.

مع وصولهم إلى أداء “حسيني،” تصبح الكيمياء التي تربط أفراد الفرقة واضحة كالشمس. تبدأ الأغنية بمقدمة جارفة تمسح أي آثار للمقدمة الأصلية. محمولًا بزخم الأغنيتين الأولتين، يدخل غناء توليت مرحلة جديدة من التمكّن والقوّة، ويضخ في جلسة التسجيل نبضًا لم نرَ منه سوى لمحات حتّى الآن. يبدو أداء الأغنية كإعلانٍ مدوٍّ عن رؤية توليت للجاز ومكانته في مشروعه الموسيقي.

بينما مالت الأغاني الثلاثة الأولى نحو التجريب وإعادة التفسير، تميل “شديني” نحو المألوف. تنسال مقدمتها سهلة التمييز عبر الآلات كتيّار مياه باردة يرتقي من نبعه. تراعي الفرقة هنا غناء توليت، تنسحب للخلف خلال مقاطعه ثم تسرع عائدةً لمنع السكون من التسلسل فور توقفه عن الغناء، وتؤدي نسخًا تشرد بشكلٍ طفيف بعيدًا عن ألحان الأغنية الأصل.

تتغير طاقة الجلسة مجددًا عند بلوغ الفرقة أغنية “غريب حالي،” التي تعد أغنية جاز حتى في نستخها الأصلية، ما يثير التساؤل حول كيف من الممكن أن تبدو نسخة جاز من أغنية جاز؟ بينما يشير مارديني إلى أن الوقت مناسب لأخذ استراحة من التصوير، يتجاهل توليت دعوته للتوقف وينطلق بالأغنية وهو منغمس بشكلٍ مرئي – في الزون.

تبلغ الأمسية نهايتها مع الأغنية الجديدة “اللحظة دي.” كان من الساحر سماعها تؤدّى للمرة الأولى في نهاية ليلة مجهدة من التجهيز والتدريب. يغني توليت ما أصبح اليوم بمثابة توقيع له في كتابة الأغاني العاطفية المعسولة: “حبيبي، حد غيرك في الدنيا؟ أوه، أوه” – يؤدي العبارة بدقة ووضوح مبهرين، كل كلمة تكشف جانبًا ناعمًا من الأغنية. يدخل صوته ويخرج من التوزيع كستارة تلعب بها الريح أمام نافذة مفتوحة، ويتحول أحيانًا إلى آلة سادسة، يضيف الدفئ والنسيج على الأغنية بينما يتدفق بجوار أسطر الساكس والترمبيت المنطلقة.

بعد الساعة الثانية بعد منتصف الليل بقليل، ينهي توليت الجلسة، يقدّم فرقته لجمهورٍ لا يزيد عدده عن خمسة عشر شخصًا متوزعين على ست طاولات، ثم ينزل من المنصة ويصافحهم واحدًا واحدًا لشكرهم على الحضور. يبدو على كادر التصوير المرهق مزيج من الاستنزاف والارتياح بينما يرافقه بعضهم عائدًا إلى الكواليس المرتجلة.

نزلت الجلسة في محلها: البار، الشاب، الجاز – بإمكانهم الآن حفر اسمهم على إحدى جدران الكارلتون ذات السقف العالي، لأنّ توليت مرّ من هنا.

SHARE ON:

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp

MORE NEWS

TUL8TE Plays It By Ear (Carlton Hotel, Cairo, Rolling Stone MENA, Hussein Mardini)
Narein, Jazzed

TUL8TE Plays It By Ear

An exclusive interview with TUL8TE during the recording of the jazz rendition of his latest album, Narein.

Iran Reopens The Strait of Horumuz
Hormuz, Reopened

Iran Reopens The Strait of Horumuz

Following the ceasefire between Israel and Lebanon, Iran announced on Friday the reopening of the Strait of Hormuz to commercial shipping.

THE LATEST

(Ma) Bdna Nrou: When The Radio Plays Nothing Worth Plotting To
In Bad Taste

(Ma) Bdna Nrou

Against a long history of political and protest music, Salma Mousa asks why Arab pop today insists we chill when we should rage.

THE DIGITAL DAILY NEWSLETTER

A Cultural Force That
Transcends Generations

BY PROVIDING YOUR INFORMATION, YOU AGREE TO OUR TERMS OF USE AND OUR PRIVACY POLICY. WE USE VENDORS THAT MAY ALSO PROCESS YOUR INFORMATION TO HELP PROVIDE OUR SERVICES.
Stay In Touch

Be the first to know about the latest news from Rolling Stone MENA