هذا المقال متاح أيضًا باللغة الإنكليزية.
ظل مسلسل الخلاط+ لشهر كامل يتصدر قائمة الأعلى مشاهدةً في السعودية على نتفلكس، في منافسة مع مجموعة من الأعمال الأجنبية المتنوعة الجنسيات. يكشف هذا النجاح عن مشروع يُكمل مسيرته ويطوّر نفسه من جذوره على يوتيوب، بل ينبئ أيضاً بأن تيارًا كاملًا قد نضج وبات يقدّم منتجًا بالغ الفرادة على المستويين الفني والثقافي، محافظًا على خصوصيته الشديدة وانفتاحه على التيارات المجاورة في المنطقة في آنٍ واحد.
الكوميديا الغرائبية: متى بدأت لحظة اللمعان؟
في عام ٢٠٢٠، مدفوعًا بالملل الذي فرضه الحجر الصحي بسبب جائحة كورونا، اشتركت في بعض منصات البث كنتفليكس وغيرها. دفعني الفضول إلى فتح فيلم بعنوان شمس المعارف دون أن أطّلع على إعلانه أو على نبذة عن قصته. أبناء جيلي يعرفون جيدًا ما الذي يعنيه هذا الاسم لنا؛ شمس المعارف هو عنوان أهم كتاب صنع أسطورة معرفتنا بالسحر وعلاقتنا به منذ أيام الإعدادية. أن يستعير أحدهم هذا الاسم لعمل فني كان بالنسبة لي أمرًا يثير الفضول بحدّ ذاته.
بالإضافة إلى ذلك، كان الفيلم بالغ التجريبية وبعيدًا عن أي سمات تجارية، ممتع وبسيط في حبكته، لا يميل إلى التعقيد المتكلّف – يتناول قصّة شاب في سنته الأخيرة من الثانوية يحاول تصوير فيلم رعب داخل مدرسته.
زاد الفيلم فضولي ثم شغفي تجاه الكوميديا السعودية، لا التقليدية التي اعتدتها في كثير مما شاهدته منذ مطلع الألفيّة، ولا سيما الدرامية منها، بل التيار الشبابي الذي يتحرك بخفة بعيدًا عن ثقل الإرث الإنتاجي والثقافي التقليدي الذي يحكم التوجهات الإنتاجية في المنطقة.
شهدت الفترة الممتدة من ٢٠٢٢ إلى ٢٠٢٥ أفلامًا ومسلسلات تقدّم كوميديا غرائبية تتراوح بين الكلاسيكية والراديكالية، قائمةً على أنواع متعددة من الفكاهة: ضحك الموقف، والضحك الحركي، والإفيه اللغوي. يتخذ أغلبها من بيئة البادية والصحراء مسرحًا لأحداثه، مستفيدًا من المزج بين قسوة تلك البيئة وغناها بالتفاصيل الدقيقة من ناحية، وما تتيحه من فضاء خيالي تنبثق منه أحداث تكسر المنطق وتخالف توقعات المشاهد من ناحية أخرى. ويُضاف إلى ذلك طرافةً مميزة ناجمة عن التعامل بجدية مع اللامعقول؛ فالحبكة والممثلين والإخراج لا يسعون إلى استجلاب الضحك، بل الموقف هو ما يفرضه.
في مسلسل سكة سفر الصادر عام ٢٠٢٢ للمخرج أوس الشرقي، الذي حقّق نجاحًا تجاريًا امتدّ إلى ثلاثة مواسم حتى الآن، تدور الأحداث في استراحة يُديرها مجموعة من الشباب باسم “استراحة الأحلام السعيدة” على أحد الطرق الصحراوية، ليستغل المسلسل الاستراحة كموقع يجمع العديد من أصناف البشر بطبقاتهم وخلفياتهم وأعمالهم المشروعة وغير المشروعة، فتُشكّل بذلك فضاءً للخيال يُورّط أصحابها في مغامرات لا تمتّ لعملهم بصلة، إما طمعًا شخصيًا أو بسبب ظرف مكرهين عليه.
يتكرر هذا الأسلوب بلمسة كاريكاتورية ورعب مرح مستلهم من عوالم المخرج تيم بورتون، مصقول بعناية ليعكس الثقافة البدوية، في فيلم راس براس الصادر عام ٢٠٢٣ من إخراج مالك نجر. تدور قصته حول السائق درويش ورفاقه الذين يجدوا أنفسهم مضطرين للتعامل مع مصيبة وقعوا فيها حين استقبلوا ونقلوا والد زعيم عصابة خطيرة، جلبوه من حي وهمي يقع في ضواحي الرياض، مليء بأشخاص مرعبين ذوي أشكال غير مألوفة، ولا يتواجد فيه رجل شرطة واحد.

يتجلّى توظيف بيئة الصحراء كذلك في أعمال جمعت بين الإثارة والكوميديا السوداء في بعض مشاهدها، كفيلم ناقة الصادر عام ٢٠٢٣ من إخراج مشعل الجاسر، الذي ضمّ مشاهد كثيرة تحمل طابع الهلاوس وتطرّقت إلى الأساطير الشعبية المتخيّلة عن الصحراء والجلسات التقليدية الشعرية بأسلوب هزلي، بل إن ما يحدد مصير البطلة سارة طوال الفيلم هو في حد ذاته خط سردي مُعتِم يحمل غرائبيّته الخاصة.
يستفيد صنّاع هذا التيار الجديد من الثراء الثقافي المتراكم في المجتمع السعودي جراء موجات الهجرة الكبيرة إليه على مدى ما يزيد على نصف قرن، من جنسيات شتى خاصة من الطبقتين العاملة والوسطى، ليستخرجوا من تناقضاته مادةً لإفيهات من خارج الصندوق تُبرز الفوارق الدقيقة بين تلك الجنسيات.
تجلّى ذلك بوضوح في فيلم سطار من إخراج عبد الله العراك، الذي امتاز بشخصية المدرب الباكستاني عبد القادر، صاحب التعليقات اللاذعة التي لا تمر على أي فلتر، الخلط بين الأسماء والألقاب بأسلوب يمزج لكنته الخاصة باستهتاره بفكرة الألقاب أصلاً، وتمريناته المعتمدة على وسائل بالغة البدائية كرفع الثلاجات. بالنسبة لجمهور الفيلم ومحبيه، قدّم سطار النسخة الساخرة الأيقونية لمدرب الألعاب القتالية في الخليج، مثل شخصية روكي في فيلم كريد أو مستر هان في فيلم ذ كاراتيه كيد.
لم يكن لهذه الموجة الإخراجية أن تخرج للنور لولا إخلاص هذا الجيل لثقافة الإنترنت التي شكّلت جزءًا ضخمًا من مرجعيته الثقافية، كاعتمادهم في الحوار والأداء التمثيلي في مواضع كثيرة على المبالغة المستلهمة من روح مقاطع يوتيوب التي تسبق حقبة صناعة المحتوى المنظّمة – فالمزاح الغشيم والحركات المبالغ فيها والمقالب المفرطة كانت دائمًا جزءًا من ثقافة الفكاهة الرقميّة.
لا تُعنى حبكات الدراما والسينما السعودية في هذا التيار بخلق شخصية محورية تتمحور حولها الأحداث أو تُكسى بطابع بعينه، غير أن الأريحية في كتابة الشخصيات وإخراجها تمنح المشاهد الإحساس ذاته. وقد لمستُ تلك الأريحية مجددًا في فيلمَي الزرفة للمخرج عبد الله ماجد ورهين للمخرج أمين الأخنش الصادرَين العام الماضي.
الخلاط +: الشباب السعودي بين الدور الإقليمي والتراث
انطلقت فكرة الخلاط عام ٢٠١٧ ضمن إنتاجات شركة تلفاز ١١ كمجموعة سكتشات كوميدية اجتماعية تعرض على قناة الشركة على اليوتيوب. تميّزت بجرأتها وتركيزها على أبرز قضايا الشباب، بما في ذلك علاقات الشباب المركّبة بالأجيال الأكبر منهم وتفاعلاتهم مع التحولات التي كانت تشهدها المملكة في تلك المرحلة تشريعيًا وقانونيًا ومجتمعيًا.
ملأ الخلاط ساعتها فراغًا في المحتوى الشبابي، وقدّم نفسه وسيطًا بين الدراما والمحتوى الرقمي القصير، أو ما يمكن تسميته ميني دراما ما قبل الميني دراما.

تطوّرت الفكرة لتصبح فيلم الخلاط + الصادر عام ٢٠٢٣ من ابتكار علي الكلثمي وكتابة محمد القرعاوي وفهد العماري ووائل السعيد ومشاري الشلالي وإبراهيم الخيرالله وإخراج فهد العماري، وكان أنطولوجيا من أربع قصص مختلفة تناقش فكرة الاحتيال في المجتمع في قالب من الكوميديا السوداء، معتمدًا أكثر من أي شيء آخر على المفارقات الأخلاقية في المجتمع من خلال شخصياته المتباينة وأفعالها ونتائجها.
بعدها، قرّرت تلفاز ١١ إعادة إنتاج جزء جديد من الخلاط+ كمسلسل من أربع حلقات، من قصة علي الكلثمي ومحمد القرعاوي، التي لا تجمعها سوى ثيمة واحدة مشتركة هي الصحراء – تحت عنوان “الصحراء… لا تفاوض.”
متناولًا الصحراء كفضاء مثير للرهبة ومحرّر للطاقات الداخلية في آنٍ، يضع المسلسل أبطاله الأربعة أمام مخاوفهم وعُقدهم وأزماتهم الداخلية. يدخل المراهق راكان عتبة الشباب مهزوزًا بسبب والده المتسلط، ثم يعيد اكتشاف نفسه ورجولته من خلال اضطراره لمساعدة ضابط سابق كفيف يعمل سرًا على تتبع تجار مخدرات وموزعيها، متنكرًا في هيئة عامل بمحطة بنزين على طريق مجهول يُحذّر منه الجميع ويُسمّى “طريق الموت.”
بالتوازي، يلاحق الشاب عقاب جربوعًا (حيوان صحراوي يشبه الجرذ) سرق حلقةً من مجوهرات العارضة العالمية جي جي سعيد خلال عرض أزياء عالمي يشارك في تأمينه ويُقام وسط الصحراء، علمًا أنّ الجربوع لم يلاحقه لموقع العرض إلا انتقامًا لأخيه الذي صاده عقاب.
تسنح الفرصة لسعد، مصوّر الأفراح الطامح إلى الإنتاج السينمائي الكبير، لإنتاج وإخراج إعلان مزيّف في الصحراء يُروّج للهبوط على المريخ لصالح شركة دروفر الأمريكية المتخصصة في أبحاث الفضاء، لتتفوق على منافسيها الصينيين في السباق. وأخيرًا الشاعر مزعل بن شملان، الذي يُورّطه أحد الجن المتخصصين في الشعر في تحدّي الشاعر ابن شلفة المتمكن في الهجاء تمكّن الرابرز في البيفات، لينتقم لهزيمة والده.
تُركّز السلسلة بوضوح على ضغوط ورواسب أنظمة تربية الأجيال السابقة وأثرها في تشكيل الجيل الحالي وقدرته على الثقة بنفسه، وترى أن الحلّ الوحيد يكمن في مواجهة جذور تلك العقد لتنحلّ ويُطلق الفرد طاقته التعبيرية دون قيود. كما تكشف السلسلة كيف أن الطفرة الإنتاجية والفنية التي شهدتها المملكة على مدى السنوات الخمس الأخيرة، رغم ما أتاحته للمبدعين السعوديين من فرص واسعة، وضعتهم في الوقت ذاته أمام منافسة شرسة وطموحات ضخمة، سواء على مستوى الحصول على وظائف قوية في المجال الإبداعي أو أحقية التمثيل والفرص، كما يحدث في أي مركز فني تشتعل فيه المنافسة.
امتلكت تلفاز ١١ قدرةً مميزة على ابتكار ثيمات اجتماعية تحمل طابع التشريح غير المباشر للمجتمع من خلال طرح شامل، وهو ما يعود في جزء منه إلى خبرة مؤسسيها السابقة في صناعة المحتوى المباشر والإعلاني قبل توجّههم للإنتاج السينمائي والدرامي.
تؤثّر هذه الخبرة الإعلانية في إعطاء المسلسل أيضاً بُعداً بصريًا تقليليًّا يُركّز على التفاصيل التقنية البصرية والأدائية، ظهر بوضوح على امتداد أحداث الحلقات، ولا سيما في المشاهد الحركية ومشاهد المطاردات، كمشهد قتال أبو مرداع مع تاجر المخدرات التركي، ومشاهد مطاردة الجربوع، ومشاهد تناول الطعام؛ بأسلوب يُضاعف الإبهار والنفور والترقّب في مناطق مختلفة.
لنظرة أقرب على كواليس إنتاج الخلّاط+، تحدّثنا مع أحد أحدث المنضمين إلى السلسلة: الكاتب والمخرج محمد العجمي، أحد الاسمين الجديدين الذين انضما إلى المشروع إلى جانب الكاتب والمخرج عزيز الجسمي.
كيف اتخذت قرار المشاركة في كتابة وإخراج خلاط + (حلقة سباق المريخ) بعد ست سنوات مرت على انطلاق السلسلة؟
بصراحة، حين علمتُ أنني سأتولى إخراج الحلقة، انتابني قلق شديد وشيء من الفزع، إذ لم تُسنح لي من قبل فرصة إخراج عمل بهذا الحجم. في البداية، كنتُ مجرد كاتب للحلقة وافترضتُ أن شخصًا آخر سيتولى إخراجها. أتذكر بوضوح تام لحظة الانتهاء من السيناريو وأنا أُحدّث نفسي: حظًا سعيدًا لمن سيُخرجها. لم أكن أعلم كيف ستنجز المهمة، فثمة الصينيون والأمريكيون والمريخ وكل هذه العناصر الضخمة. لم يكن يخطر ببالي أن مهمة الإخراج ستقع علي.
فلمّا جاؤوا يسألونني إن كنتُ مهتمًا بالإخراج، أجبتُ بنعم على الفور، رغم أن الرهبة كانت تسكنني. كان ما يُضاعف الرهبة أنني كنتُ في الأساس كاتبًا. لم أكن أهاب الكتابة، وكنتُ أشعر بثقة راسخة في تلك المنطقة، لكن الإخراج لعبة مختلفة تمامًا.

طوال رحلة العمل، ظللتُ أتساءل هل سأكون فعلاً من سيخرج الحلقة أم سيجدون شخصاً آخر. بل كانت تراودني في بعض الأحيان أمنية أن يجدوا غيري لأن الأمر كان مُثقلًا جدًا. لكن تدريجيًا، مع لقاء الفريق ورؤية المنخرطين في المشروع، بدأتُ أشعر بأن الرهبة تخفّ وأنني أكثر استعدادًا لأطأ أرض التصوير وأُخرج الحلقة.
قبل ذلك، كانت تجربتي تقتصر على الأفلام القصيرة والإعلانات والمشاريع الصغيرة، فكانت هذه قفزة هائلة بالنسبة لي.
ما هي أول التغييرات الفنية التي فكرت فيها فيما يتعلق بثيمة الفكرة وأسلوب الكتابة عند البدء في حلقة سباق المريخ؟
حين شرعنا في العمل على الحلقة، كنا جميعًا واعين تمامًا بما يمثّله الخلاط وما يحمله من ثقل ثقافي، فكان ثمة إدراك واضح في غرفة الكتابة بأن أي شيء نصنعه لا بد أن يظل وفيًا لهذه الهوية.
حين انكببتُ على كتابة الحلقة، كان تركيزي منصبًّا على جعلها أكثر ثراءً ثقافيًا من خلال بناء الشخصيات والعالم، وإضافة شخصيات كـ سعد ودانيال وليستر، وضمان امتلاك القصة لذلك الثراء والزخم اللذين اشتُهر بهما الخلاط. أعتقد أن هذا جزء أساسي من ماهية الخلاط، وعلى نطاق أوسع من ماهية تلفاز ١١ أيضًا.
إنه كيان فني يشعر بارتباطه بالناس، وهذا الارتباط الإنساني والثقافي هو ما يميّزه. يتجلى ذلك بشكل كبير في الأبطال والشخصيات، وفي الحرص الدائم على استشعار نبض ما يجري اليوم. لذا حتى حين تشمل الحلقة شخصيات أمريكية وصينية أو تمتد إلى فضاء أكثر كونية، فلا بد أن تظل في جوهرها سعودية الروح. كان هذا شيئًا ندركه دائمًا ونسعى إلى صونه.
كنا محظوظين أيضًا بوجود شخصيات كعلي الكلثمي ومحمد القرعاوي في غرفة الكتابة، يمكن اللجوء إليهم في كل لحظة للسؤال: هل يصلح هذا؟ هل يبدو صحيحًا؟ هل هذا أمين لهوية المشروع؟ فرغم أننا جميعًا كبرنا على الخلاط بطريقة أو بأخرى، كان لوجود من يعرفون صوته وهويته بعمق شديد أثرٌ لا يُقدَّر في توجيه المسار.
اقتربت سلسلة الخلاط من الحياة المدينية ومظاهر اليوم العادي للمواطن السعودي، لماذا اخترت أن تكون العودة في عالم يقترب أكثر من البيئة الصحراوية؟
أعتقد أن الصحراء بوجه عام شيء قريب جدًا من نفوس كثيرين في السعودية. لهذا بدت فضاءً بالغ الإثارة للاستكشاف والبناء عليه. أردنا أن نتساءل ماذا تمثّل الصحراء، وكيف يمكننا توظيفها داخل هذه القصص، لأنها شيء لا ينفصل عن كثير من ملامح الحياة السعودية.
أعتقد أننا حين نُقدم على شيء، ولا سيما مع الخلاط، نسعى دائمًا إلى تحدّي أنفسنا وصنع شيء مختلف. نريد أن نختبر حدود هذا العالم مع الحفاظ على هويته. في هذه المرة، وجدنا فكرةً وثيمةً أعطتنا ما أردنا وكانت قريبة من قلوبنا، وأعتقد من قلوب الكثيرين.
أعطتنا الصحراء أيضًا فرصة رواية نوع مختلف من القصص، مع قول شيء ذي معنى عن البيئة والعالم من حولنا. لذا، حتى وإن كان الخلاط يعيش في الغالب في الفضاءات الحضرية وتفاصيل الحياة اليومية للمدينة، بدت الصحراء امتدادًا طبيعيًا لذلك العالم، لا مغادرةً له.
تركز الحلقات مع اختلاف ثيماتها بشكل رئيسي على أربعة شباب سعوديين، قلقهم، أحلامهم وطموحاتهم، شعورهم بالثِقل، وقتالهم من أجل الحصول على فرصهم… هل يلمس المشروع رحلة صعودك الشخصية كمخرج وكاتب شاب؟
أتذكر أنني انضممتُ إلى تلفاز ١١ عام ٢٠٢٠ كمونتير. في ذلك الوقت، كنتُ أصنع مقاطع سنابشات لهم، آخذ مقاطع قديمة من الخلاط وغيره من الاسكتشات الكوميدية القديمة وأُعيد تهيئتها عموديًا لسنابشات. هكذا بدأتُ.
ثم بعد سنوات قليلة، أجدني أُخرج الخلاط، وهو أمر بديع حقًا ونعمة كبيرة. وحتى وإن استغرق الأمر سنوات، فلا يزال يبدو مفاجئًا، لأنك تتذكر تمامًا أين كنتَ وأين أنت الآن، ويُصيبك ذلك بشيء من الدوار.
أعتقد أنني أودعتُ شيئًا من ذلك الشعور في شخصية سعد في سباق المريخ. يومًا يُصوّر أفراح الناس، واليوم التالي يُزيّف هبوطًا على المريخ.
في فيلم سباق المريخ تظهر شركة تلفاز ١١ والمخرج علي الكلثمي والممثل محمد الدوخي بشخصيّاتهم الحقيقيّة كشخصيّات نصف شريرة – فكرة جريئة أتت في مساحة حساسة رغم كوميديتها. من كان صاحب الفكرة من البداية؟ هل كان هناك من قلق وتحفظ عليها؟ ولماذا أردت استعمال السخرية الذاتية؟
حين كتبتُ السيناريو في بادئ الأمر، كانت شخصية المخرج مختلفة تمامًا. كانت في الأصل نمطاً أكثر عمومية: المخرج السعودي الذي يتحدث بلغة فلسفية عميقة ويتصرف بجدية بالغة مع نفسه، حتى وإن كان قد أنجز فيلمًا قصيرًا واحدًا وإعلانًا تجاريًا واحدًا. كانت تلك هي النكتة في الأساس.
ثم اقترح أحد أعضاء الفريق فجأة: ماذا لو لعب علي دور المخرج بوصفه نفسه؟ أتذكر أنني استظرفت الفكرة كونها جريئة ومجنونة بعض الشيء، لكنني لم آخذها بجدية في البداية لأنني كنتُ أظن علي لن يقبل.
ثم فاجأني علي باتصاله ليقول إن الأمر يُضحكه كثيرًا وأنه يريد أن يقوم به. كان متحمسًا تمامًا لتجسيد نسخة مبالغ فيها ومنفّرة من ذاته. وأعتقد أن هذا يقول الكثير عنه وعن تلفاز ١١.

ما جعل الأمر ينجح هو استعداد الجميع لوضع أنانيتهم جانبًا خدمةً للنكتة. وأعتقد أن هذا من بين ما يجعل الخلاط وتلفاز ١١ مميّزَين: ثمة استعداد حقيقي للسخرية من الذات، وهذا النوع من الجرأة كان صادقًا تمامًا مع روح المشروع. جعل الكوميديا أكثر حدةً، وجعل الحلقة في الوقت ذاته أكثر متعةً وحيوية.
أمضيتُ مع علي وقتًا طويلًا نُفكّر في ملامح هذه النسخة منه، ولا سيما في مشهد الطاولة. في البداية، تساءلنا هل يجب أن يكون صامتًا وغامضًا، لكننا انتهينا إلى أنه لا، يجب أن يُشعر سعد بأنه الأصغر، وأن يكون متعاليًا ومتجاهلًا ومزدريًا بأسلوب محدد جدًا. كانت هذه هي الشخصية، وحين وجدناها، أطلقنا لها العنان.
ساهم علي ببعض الأفكار، وساهم عبد الله الدريس الذي يُجسّد سعد بأفكار كثيرة، وكان محمد الدوخي رائعًا في المشهد حين تُسحب شماغته. كان من الجميل مشاهدة كل ذلك يتشكّل. أتذكر أنني كنتُ أُحدّث نفسي أثناء التصوير: هذا مضحك جدًا، لكنه غريب في الوقت ذاته أنّه يحدث فعلًا. ظلّ ذلك الشعور عالقًا بي.
ما أعان أيضًا أن علي ومحمد ممثلان بارعان، فاستطاعا الانغماس في النكتة. والطريف أنهما في الحقيقة لا يشبهان ذلك أبدًا في الواقع، هما إنسانان رائعان حقًا. وأعتقد أن استعدادهما لتجسيد نسختين مبالغتين وشريرتين من أنفسهما يشهد على ذلك.
إلى أي مدى تشعر أن كوميديا خلاط+ وأعمال سينمائية صدرت مؤخرًا من تلفاز ١١ مثل رهين وزرفة امتداد لجيل السيتكوم السعودي في بداية الألفينات ونهاية التسعينات؟
حين بدأت تلفاز ١١ على يوتيوب، كان ثمة شعور بالطزاجة والواقعية في آنٍ معًا. وأعتقد أنها كانت في كثير من الوجوه امتدادًا لتلك الحقبة الأبكر، لكن بشكل مغاير ولمنصّة مختلفة.
أعتقد أن المنصّة تلتقي بمن نشأوا على المسلسلات الكوميدية السعودية في أواخر التسعينيات ومطلع الألفية، وسبب ذلك الالتقاء أنها تبقى وثيقة الصلة بالواقع. الشخصيات مألوفة، والحوارات طبيعية، والمواقف تعكس أسلوب حياة الناس العاديين وطريقة كلامهم. هذه المصداقية جزء كبير مما يجعل تلفاز ١١ ناجحة.
في نهاية المطاف، المضحك مضحك. إن أصاب شيءٌ ما فقد أصاب. نعم، أعتقد أن هذا النوع من الكوميديا يخاطب جيلًا جديدًا، لكنني أعتقد أيضًا أنه يصل إلى الجيل الأكبر لأن جيناته راسخة في شخصيات يعرفها الناس وسلوكيات يألفونها وحياة واقعية.













