المقال متاح أيضًا باللغة الإنكليزية.
منذ عام تقريبًا، أعلن محمد سامي في منشور على صفحته الشخصية اعتزاله الدراما التليفزيونية بعد ١٥ عامًا من إخراج المسلسلات في واحد من أكثر مواسم المنطقة إنتاجًا وارهاقًا، معللًا ذلك بشعوره بالاستهلاك وشكه في القدرة على المواصلة بنفس الكفاءة.
فتح المنشور، رغم وضوحه، مساحة واسعة للتكهنات لدى الجمهور – بين من توقعوا مشاركته بأدوار مختلفة مثل الإنتاج الفني في مشاريع أضخم في المنطقة، فيما أشار آخرون إلى احتمالية وجود تضييق رقابي نتيجة كسره بعض التابوهات.
لم يترك سامي جمهوره للتساؤل طويلًا حين أعلن بعدها بستة شهور فقط عن اعتزامه كتابة وإخراج مسلسل بعنوان رد كليتي. وبرغم عدم مشاركته هذا الموسم بأعمال درامية، إلا أن منتج مسلسل الست موناليزا، طارق فهمي، وجه له الشكر دون تفسير دوره بالمسلسل، والذي أشار بعض العاملين في المشروع أنّه كان محوريًا، خاصةً مع نجاح المسلسل الذي تقوم ببطولته زوجته الممثلة مي عمر، ودخوله في جدل منافسة الأعلى مشاهدة هذا الموسم.

الفيديو المنتشر مؤخرًا، الذي ظهر فيه سامي ليعلق على جدل المسلسل من داخل سيارته، جالسًا قدمًا على قدم ومرتديًا بدلة سوداء فارهة، جعلني أتأمل تلك الرحلة التي تابعتها منذ البداية، من مخرج كليبات ذو إسم صاعد كصاروخ، إلى صانع للعديد من الأعمال المثيرة للجدل، حتى النفاذ إلى الشارع وتحفيز الناس على مشاهدة مغامرات أبطاله بشكل جماعي كأنها مباريات كرة قدم.
استغلال مثالي للسقف العالي
لعبت العديد من الظروف دورًا محوريًا بمنح محمد سامي دخولًا مدويًا لعالم الدراما المصرية منذ عمله الأوّل، حيث بدأت رحلته بالإنتاج التلفازي مع مسلسل آدم في موسم رمضان عام ٢٠١١ من بطولة تامر حسني وكتابة السيناريست أحمد محمود أبو زيد. كان الأوّل يحتاج إلى عمل يحسن من صورته بعد الأزمة الجماهيرية التي مر بها جراء أحداث ٢٥ يناير، ما يفسر اختياره موضوعًا جريئًا يحمل ثيمة شعبية لبطل يتعرض لظلم واضطهاد فردي من أحد المسؤولين بجهاز أمني، ليحاول طيلة أحداث المسلسل إثبات براءته.
لم يجد تامر من يثق به أكثر من المخرج وراء العديد من الفيديو كليبات على مدى مسيرته، وبالفعل، حقّق المسلسل ضجة واسعة وضعت اسم سامي ضمن المخرجين الجريئين ممن حصلوا على فرص إنتاج عمل مفتوح السقف رقابيًا نتيجة الظروف السياسية والاجتماعية لمصر حينها.
لم يقف محمد سامي هناك، وأتبع آدم في العامين التاليين بعملين أكثر صدامية مع المجتمع. الأوّل مع سبق الإصرار (٢٠١٢) الذي يتناول أزمات تتعرض لها محامية نتيجة تورطها في دوائر فساد سياسية مرتبطة بشبكات إجرامية. والثاني حكاية حياة (٢٠١٣)، الذي يتناول قصّة سيدة من طبقة غنية يتم إيداعها في إحدى المصحات النفسية نتيجة تعرضها للفصام بعد خيانة زوجها لها مع أختها واتهامها بالتسبب في قتل أمها، لتعود بعد ١٣ عامًا محاولةً إستعادة ثروتها وتبرئة ذمّتها.
خلق المسلسل الأخير حالة من الجدل وصلت لاستعادة سيرته في برنامج البرنامج لباسم يوسف، كمثال لتناقض خطاب الأجهزة الرقابية التي سمحت ببث حكاية حياة بينما كان لديها مشاكل مع البرنامج بحد ذاته.
أبرز اختيار محمد سامي لـ حكاية حياة ذكاءًا استراتيجيًا أيضًا، عندما تلقاه الجمهور كتجربة درامية شبيهة في عالمها بتجارب المسلسلات التركية المنتشرة حينها بين الجمهور المصري، وعوالمها الجذّابة المعرّضة لانهيار منظومة الأسرة وما يؤدي له ذلك من مجتمع وعلاقات عاطفية متفككة ومنحلّة.

إلى جانب الاستفادة من الهامش الرقابي الأعلى في تاريخ الدراما المصرية منذ تأسيسها، تبلورت بعض السمات الإخراجية وأصبحت ملازمة لأعماله تحت ما سيعرف بعد ذلك بـ “أسلوب محمد سامي الإخراجي،” منها الأداء التمثيلي الانفعالي لعكس المشاعر الداخلية والموسيقى التصويرية التصاعدية لكل مشهد يصوّر صراعًا ما بين طرفين أو مونولوج يصف صراعًا داخليًا، ليصب كل ذلك في هويّة ميلودراميّة طاغية في تناول كافة أعماله.
ما وراء الأسطورة: هيمنة على دراما البطل الشعبي
في ٢٠١٦، احتاج كلًٌ من محمد رمضان ومحمد سامي لبعضهما البعض، حيث أراد الأوّل الخروج من قالب أدوار المظلوم اجتماعيًا الذي يعاني من العنف الطبقي ويقع في النهاية ضحية للمجتمع، إلى مساحة البطل الشعبي صاحب قصة الصعود والمتحكّم بموازين القوى الخاصة بعالمه. في نفس الوقت، كان محمد سامي ينقّب في عالم البطل الشعبي الدرامي الأكثر جماهيرية، ليجرّب في هذا القالب ويتحرّر من المنظورات الداخلية والتجارب المركزة على الحوار لمساحات أكثر استعراضية، يلعب فيها الآكشن وتقنيات الإنتاج الحركية دورًا مهمًا في قيادة القصة.
منذ أول تعاوناتهما في مسلسل الأسطورة الصادر عام ٢٠١٦ مرورًا بمسلسل البرنس من عام ٢٠٢٠ وحتّى جعفر العمدة في ٢٠٢٣، عثر الثنائي على تناغمٍ عالٍ وقدّما للجمهور أعمالًا قويّة تجاريًا، تركت أثرها على كلٍّ من أسلوبية سامي بشكل خاص في تجاربه مع نجوم آخرين، وعلى معالم الدراما التليفزيونية الرمضانية وتجارب غيره من المخرجين والكتّاب الدراميين.
قدّم سامي شخصيّات المعلم أو البلطجي أو الشخص البسيط في صورة البطل الشعبي المحبوب، مقتبسًا في ذلك من الشكل الأسطوري في مسلسلات السيرة مع تطعيمه بصفات يراها الذكور في المجتمع أسرارًا كونيّة للكمال، مثل الشجاعة والأمانة والجدعنة والإخلاص. أبطال سامي لا يعقدون اتفاقاتٍ بالسر بل يتباهوا بقوتهم على الجميع، بمن فيهم السلطة الأمنية، في العلن. هم أشخاص يحافظون على أسرهم ويعملون من أجلها، كما أنهم أذكياء وقادرين على التحكم بغرائزهم وتحكيم عقولهم، يهتمون فقط بالنجاح والنمو. يتعرضون للمكائد المهلكة من خصومهم، لكن ذلك لا يدفعهم إلّا للعودة والانتقام بأسلوبٍ ملحمي. خلال هذه الرحلة، يتطور أبطال سامي لنسخ أكثر جموحًا وعنفًا من ذواتهم، تتمتع بالثراء والنفوذ وتقع النساء من مختلف الطبقات في هيامها.
ونظرًا لغياب التوثيق المعاصر الدقيق لتفاصيل حياة الضالعين في النشاطات غير المشروعة وأصحاب الثروات في المناطق الشعبية، لا يرسم سامي عالم أبطاله معتمدًا على تفاصيل واقعية، بل التصورات المحكية المتداولة شفويًا حول الشخصيات الحقيقية المقابلة لهم في الواقع، مما يجعل نطاق نفوذهم وتحركهم واسعًا للغاية في العديد من الأحيان. لعلّ أبرز مثال على ذلك جاء في مسلسل سيد الناس من موسم رمضان العام الماضي، حيث اكتشف البطل أنّ والده قد ورطه قبل وفاته بصفقة مخدرات (بانجو) محلية، وصفقة أسلحة مع تجار بالسودان وكوريا، بالإضافة إلى أعمال حفر بأحد مناجم الذهب وتجارة غير شرعية بالعملة الأجنبية مع طليقته.

لا يقتصر السرد على العالم الخاص بالشخصيات الرئيسية، بل يمتد لخلق أنماط سلوكية لكل شخصية فرعية تشمل تكوينها النفسي الداخلي والخارجي وطريقة تصرفها وحديثها، مستلهمًا في ذلك من الحكاوي الشعبية، دون أن يسلم من الوقوع في مبالغات وتضخيمات لا تخلو من روح هوليوودية، خاصةً أفلام الأبطال الخارقين.
داخل هذه العوالم، خلق محمد سامي مساحة للمجتمع النسائي تشبه شكليًا الحرملك برمزيته الكلاسيكية كمجتمع داخلي في منظومة البطل الشعبي، لكنها مساحة تسمح بنقاش، ولو بشكل ترفيهي، بواطن العالم النسائي وأزماته تحت سيطرة ذكورية. تطورت شخصيات هذا المجتمع من ردود فعل في مسلسل الأسطورة من خلال شخصية سماح، إلى محرك للدراما وفاعل أساسي فيها من خلال شخصية دلال في جعفر العمدة، وصولًا إلى تمحور القصة حول البطلة كالراقصة إش إش في المسلسل الذي يحمل اسمها من العام الماضي.
حتّى شكل معارك الشارع بات يحمل بصمة مختلفة حولتها من اشتباكات بدنية عنيفة تحرك أحداث العمل إلى فقرات استعراضية ممتعة شبيهة بمباريات المصارعة الحرة، مع قطعات تصوير تبرز مهارات البطل في القتال واستعماله لتقنيات احترافية. كذلك يرفض تصميم المشاهد أي مرساة للواقعية، ليلعب دوره كمكمّل للشكل الفانتازي الموجود في دماغ سامي لعوالمه الشعبية.
قالب سهل أم سقف مفتوح؟
في إحدى حلقات برنامج أسرار منذ عامين من تقديم المذيعة أميرة بدر، سُئل محمد سامي واحد من أكثر الأسئلة شعبوية – حول ما إذا كان يرى نفسه أفضل من المخرج يوسف شاهين أم لا. حاول سامي باستماتة الخروج بدبلوماسية من الموقف، لكن تعليقات بعض الكتاب والمعلقين والجمهور لم ترحمه، إذ كان ذكر المقارنة لوحده كفيلًا باستدعاء الانتقادات حول مسيرته وأعماله.
على كلٍ، لم يكن استدعاء شاهين في هذا السياق بصدد تأسيس مقارنة لكفاءة فنية بقدر ما هو استدعاء لمقارنة التأثير – مقارنة بين قدرة المخرجَين على فرض مشروعِهِمَا البصري وأحقيته بسرد ذاته.

ما لا يستطيع نقّاد مشروع سامي أخذه عليه هو رفعه لسقف التعامل مع القصص الشعبية من قِبل المنتجين، إذ جعلها خيلًا يمكن الرهان عليه من تناولات مختلفة. ربما لا تسعفه الإمكانيات الإنتاجية، ربما تحمل أعماله هفوات فنية نظرًا لكونها منتجًا من المفترض أن تقبله موائد الأغلبية – لكن سيدين له بالتأكيد أي صانع يعمل على مشروع درامي ذو طابع شعبي، حين يجلس على طاولة مفاوضات حقيقيّة مع ممول.
الحقيقة الثانية التي لا يمكن إغفالها عند تتبع الصعود التدريجي لمسيرة محمد سامي، هي كونه واحدًا ممن يمكن أن نلقبهم بأبناء يناير التجاريين. ربما لم يشتبكوا مع السياسة بشكلٍ مباشر، لكنهم استطاعوا خلق أعمال ترفيهية تعبر عن الشارع وتنتمي إليه.













Shobra El General Puts the Street Back Into Mahraganat on ‘I Want to Pay the Rent’
In a time of crisis and artistic detachment, Shobra El General finds the right medium for his social commentary on ‘I Want to Pay the Rent’.