المقال متاح بالإنكليزية
مرّت ثمانِ سنوات منذ الحكم على اسم شيرين بالإقامة الجبرية في عناوين أخبار النميمة. منذ صدور ألبومها نساي عام ٢٠١٨، تابعنا أخبار حول مضايقات نقابية عقب تصريحات غير محسوبة، قرارات متكررة بالاعتزال، وانفصالات تبدو لا نهائية عن زوجها حسام حبيب
لكن إقامة شيرين في صفحات أخبار المشاهير قابلتها إقامتها في قوائم الفنانين الأكثر سماعًا عبر المنطقة العربية، بما في ذلك تصدرها لقائمة أكثر ١٠٠ فنان سماعًا في بيلبورد عربية لـ ٤٢ من أصل ١٠٠ أسبوع.
بين العناوين الصفراء وقوائم الأكثر سماعًا، يمتد حقل من الألغاز حول سر حضورها الطاغي في الثقافة الشعبية المصرية والعربية، تمتزج فيه أسطورتها الفنية والشخصية، ما دفع العديد لمحاولة تفسير نجاحها الفني المستمر عبر عدسة الفضائحية. لم أجد هذا التفسير مقنعًا، لكنني لم أمتلك الأدوات والبيانات للبحث عن تفسير مقابل أكثر تفصيلًا ونضجًا. حتّى الآن.
يسعى هذا المقال لتفسير نجاح شيرين عبر البحث عن توازيات بين إنتاجها الفني والسياق الاجتماعي والاقتصادي الأكبر الذي كانت تمرّ به مصر والمنطقة في وقت صدور ألبوماتها المختلفة، بالاعتماد على بروفايل مقدم من شركة أنماط لبناء وتحليل مجموعات البيانات، وكجزء من مشروعها “إيقاع” المتخصص في تحليل الأنماط اللغوية لكلمات الأغاني التي تؤثر في الجمهور العربي ويتفاعل معها. قمت، مع فريق أنماط، بتحليل أغنيات ثمانية ألبومات لشيرين، من “جرح تاني” وحتى “نساي،” ومن ثم استعنا بالألبوم التاسع والأحدث “بتمنى أنساك” في تحليلنا النوعي لفهم الأنماط اللغوية التي خرجنا بها.
من يدخل الميكروباص لا يخرج من الذاكرة الشعبية
بالتعاون مع المنتج نصر محروس، صاحب شركة فري ميوزك، حددت شيرين مسار مسيرتها من مرحلة مبكرة، منضمةّ إلى جيل من نجوم الموجة الأولى من البوب الشعبي المصري إلى جانب بهاء سلطان وتامر حسني وسواهم.
وضع محروس شيرين على رأس تلك الموجة منذ تعاونها الأول مع محمد محيي في دويتو “بحبك” من ألبومه صورة ودمعة (٢٠٠١)، حيث التقطت شيرين ثيماتيًا خط الأسى الممزوج بالغدر، وهي ثيمة الموسيقية الشعبية منذ تأسيس موجتها المعاصرة في سبعينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا.
نجد هذا الخط في تكرار استعمالها مصطلحات من لغة الأغاني الشعبية في ألبومها الأول والناجح جماهيريًا جرح تاني (٢٠٠٣)، مثل ظهور كلمتي “اندم/هندم” و”تبيعني” مرتبطتان ببعضهما في ٥ مواقع من الألبوم، أو “أندم” و”فاكرني” بنفس القدر، أو ارتباط الكلمات الثلاثة “سابني،” “لوحدي،” و”ليالي” في ٧ مواقع. يُذكر الخداع أيضًا في نمط يربطه بالحب، حيث تقترن كلمات “خدعني” و”قلبك” في ٥ مواقع أخرى.
خلال تلك المرحلة، بدأت شيرين بشق طريقها في مجال غنائي يسيطر عليه الذكور، لتصبح سريعًا ملكة الكاسيت الشعبي، وأبرز اسم أنثوي خرج من حدود الغناء في الأفراح إلى مساحة واسعة النطاق بالتواجد في الميكروباصات والتكاسي والمقاهي الشعبية في شوارع أقاليم الدلتا ومدنها وصولًا عمق القاهرة.
في ألبومها الثاني لازم أعيش (٢٠٠٥) الصادر مع فري ميوزيك، يتكرر حضور شعور القسوة من خلال أنماط تربط بين كلمات “يقسى” و”أعيش” و”أنا.” أو “يقسى” و”أعيش” و”قلبي،” وكل نمط منهما موجود في ٦ مواقع في الألبوم، كما يرتبط الشعور بالحب والعين والنني (بؤبؤ العين) كملامح جسدية في أنماط واضحة مثل النمط الجامع لكلمات “أحس” و”عيني،” و”ابتديت” و”نني.”
دعم انطلاقة شيرين في تلك المرحلة وجود رؤية فنية واضحة من منتج فني مخضرم لديه رؤية فنية متكاملة للنجاح في السوق المصري، حيث قدّم محروس تقديم شيرين بصورة الشابة الشعبية المتعلمة؛ الصورة التي رسختها كليباتها وألحان أغانيها مثل “صبري قليل” التي لا تزال على قوائم الاستماع حتى يومنا هذا، بالإضافة إلى مشاركتها في بطولة فيلم ميدو مشاكل عام ٢٠٠٣.
ربما مع مد هذا الخط على آخره، لا يعود مدهشًا أن تصبح شيرين بعد خمسة عشر عامًا من انطلاقتها إحدى المستهدفين بالإيقاف عن الغناء بعد اتهامها بالإساءة إلى مصر على هامش تصريحات ساخرة حول جودة مياه النيل، وهي تهمة تكرر توجيهها في السنوات الأخيرة لمطربي المهرجانات والأغاني الشعبية.
ألفينات محافظة، شيرين حميمية
وسط المناخ المحافظ في مصر خلال الألفينات، ارتبط الأمان ومساحات التجربة العاطفية والجنسية بشكلٍ مباشر بالمستوى الاقتصادي والطبقة الإجتماعية. كإبنة للطبقة المتوسطة وتحت المتوسطة، وسط أزمات مالية عاصفة تتقد مع الأزمة المالية العالمية وواقع معيشي مأزوم لعشرات الملايين من الشباب، خرجت شيرين بألبوم بطمنك عام ٢٠٠٨.
يظهر الألبوم من نظرة أولى كتجربة عاطفية خارج سياقها المحيط، لكن العديد من الأنماط اللغوية داخل الألبوم تتسم بطلب مباشر أحيانًا ومبطن أحيانًا أخرى بالامان والحرية والاستقلالية، فيحضر “البيت” بكثافة كحلم لمحيط يجمع الشريكين، كارتباط “بيت” و”عمرنا” في ٦ مواقع من كلمات الألبوم، وكنمط آخر يجمع بين “بيت” و”إنت،” أو “بيت ” و”أنا.”
السياق الذي يظهر في البيت في تلك الأنماط لا يجعله حلمًا مستقبليًا، ولكن وسيلة للأمان والخروج من تلك القيود المجتمعية. نرى ذلك من خلال ارتباط كلمتي “باب” و”مقفول،” أو “بيت ” و”مقفول” بنفس القدر.
حلم محدود وضئيل يطرح كمحاولة للنجاة والاستمرار في الحياة، تحدده لفظة “صغير” الحاضرة بكثافة ما بين الأنماط اللغوية الموجودة بالألبوم، خاصة مع حضور ألفاظ مثل “بالصبر” و”نستحملها” في كلمات أغانيه.
خرج الألبوم أيضًا في فترة جمعت بين الرقابة الفنية الصارمة وصعود وتأثير واضح لروافد للتيارات الدينية إجتماعيًا وثقافيًا، وحضور مصطلحات لتصنيف الفنون مثل “السينما النظيفة” و”الأغنية النظيفة.”
وسط هذه الظروف، ظهرت “اليد” كأداة لغوية غير مثيرة للجدل، تعبر عن الحميمية الضرورية في ألبوم يدور حول الأمان العاطفي، ويركز على المساحة المشتركة بين الشريكين، في أنماط مثل “أنا” و”إيديك” و” بحلم” في ٨ مواقع في الألبوم، إلى جانب ارتباط “إيديك” و”حياتي” في ٨ مواقع أيضًا.
صنعت شيرين في هذا الألبوم، بشكلٍ واعٍ أو لا واعي، جسرًا لمنطقة أكثر وعيًا برغباتها ورغبات الملايين من أبناء جيلها، لم تتخلّ عن الروح العاطفية الجامحة أو الإقدام، لكنها في نفس الوقت لم تقع في فخ التكرار وإعادة تدوير صورتها كـ “صبية” مغامرة، بل أدركت لحقيقة تقدّمها وتقدّم جمهورها في السن، ونمو آمالهم وأحلامهم وخططهم للاتصال العاطفي والحميمي مع الشركاء.
مواجهة الذات، مواجهة الآخر
بدأ مشروع شيرين الموسيقي في أخذ منعطف متمحور حول ذاتها بشكل أكبر، أغانٍ تركز على مواضيع عاطفية فردانية دون وجود سياقات اجتماعية حاضرة بقوّة، في ألبوم بطمنك. قلّت نبرة استعمال مصطلحات وأساليب شعبية في الغزل، إذ كان من الواضح أنها وبعد أكثر من ١٢ عامًا من الغناء وبناء الشعبية، نوت تقديم طموحات شخصية ومشاريع ذاتيّة تحكي فيها عن نفسها بشكلٍ أكثر تركيزًا.
بدأ ذلك بشكلٍ أوضح مع ألبوم أنا كتير (٢٠١٤)، ثم لعبها دور البطولة في مسلسل طريقي (٢٠١٥)، والمقتبس من مسلسل صوت الحرية الذي يتناول السيرة الذاتية لهيلينسيا فارغاس، حيث ظنّ العديد من المتابعين أن شيرين تقدم فيه سيرتها الذاتية الشخصية لكن في عالم موازي.
انعكس تركيز شيرين على مشروعات شخصية في سيادة بعض الأنماط اللغوية في ألبومي أنا كتير ونساي، أنماط تعبّر عن علاقات سامة، عجز في التواصل، ومواجهة قصور في النضج العاطفي.
ظهر ذلك في أنماط حول التنصل من الأذى ثم الاعتراف به، مثل اقتران “أذيتك” و”ازاي،” و”أذيتك” و”كتير،” و”ازاي” و”غلط.” وهناك التمحور حول الذات في أنماط كـ “ترضيني” و”غير” و”قولهالي،” إلى جانب “ترضيني” و”غير” و”معاك.” كذلك يتربط التعلّق العاطفي بالاعتمادية من خلال ارتباط كلمات كـ “اتعلقت” و”غيرني.”
بالرغم من تركيز إنتاج شيرين في هذه المرحلة على المنطلقات الشخصية، تزامن ظهور تلك الأنماط مع أزمة مجتمعية بدأت بالصعود إلى السطح بسبب انتشار الوعي النفسي والانفتاح على سرد التجارب الذاتية، بما في ذلك اضطراب المشاعر وعدم القدرة على تأسيس علاقات عاطفية وإنسانية صحيّة نتيجة تركيبة المجتمع وتكويناته الأسرية الصارمة التي لا تتيح مساحات كبيرة للتعبير عن المشاعر.
خلق هذا المناخ أفرادًا يعانون في القدرة على التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم، يتملكهم الفراغ العاطفي ويجعلهم يبحثون عن بدائل لأدوار الأسرة التقليدية، وهو ما يؤدي في الكثير من الأحيان إلى تعطّل النضج العاطفي والقدرة على تمييز فعل الأذى والانجرار نحو سلوكيات مثل التماهي مع دور الضحية أو التضحية بالنفس في سبيل القبول العاطفي أو الإنساني، أو الاعتمادية العاطفية.
لا تزال هذه الأزمة المجتمعية-النفسية حاضرة حتى اليوم إن لم تكن تستفحل، ومعها تستمر أغاني شيرين من تلك الحقبة بالحضور كدليل مستخدم يساعد المستمعين على فهم مشاعرهم أو على الأقل الشعور بالاطمئنان إزاء كونها مشاعر مألوفة وطبيعية.
بتمنى أتذكر
في أواخر أغسطس ٢٠٢٤، إبان خلافها مع تسجيلات روتانا، نشرت شيرين عبد الوهاب أغنية “بتمنى أنساك،” وبعد أسابيع أطلقت ألبومًا يحمل نفس الاسم على قناة التليجرام الخاصة بها، معيدةً الجمهور لعصر تحميل الأغاني عبر المنتديات ومواقع التحميل المجاني.
يحمل بتمنى أنساك جرعة مستفيضة من المشاعر غير المهندمة، خرج إلى مستمعين يعانون في لحظة إنسانية جماعية مأزومة، لا يجد من يعيشها حلولاً جماعيةً واضحة في الأفق. لحظة صنعها اختلال حقيقي في الميزان الجندري للمجتمع، مع صعود متدرج لدور المرأة، لا نتيجة مبادرات وعمل مجتمعي وثقافي فاعل فقط، بل لحاجة فرضها اقتصاد السوق. تغير اقتصادي قد تروه للوهلة أولى بعيدًا عن أغنية حب سجلتها مطربة، لكنه من وجهة نظر اجتماعية ذو دور حاسم في إعادة ترتيب أساسات العلاقات العاطفية في المجتمع.
عبر هذه الألبومات التسعة، يغدو من المفهوم التفاف المجتمع حول شيرين حتى خلال فترات الاضطراب والانقطاع عن الإنتاج، ومن المفهوم أيضًا إطلاق لقب “صوت مصر” عليها، حيث حمل أرشيفها إصدارات توثق بأمانة روح عصور مختلفة مرّت بها مصر والمنطقة خلال العشرين سنة الماضية، يجلس في وسطها براعتها المطلقة في التغني بالأسى العربي ومشاركته حياتها.













Trump’s Iran War Has Clear Winners and Losers
After weeks of intensive strikes, Iran is emerging from the war with potentially more sovereignty, fewer sanctions, and a weaker opposition.